سيد محمد طنطاوي
281
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
السدود ، فتصدعت ، واجتاحت المياه أراضيهم فأفسدتها ، واكتسحت مساكنهم ، فتفرقوا عنها ، ومزقوا شر ممزق ، وضربت بهم الأمثال التي منها قولهم : تفرقوا أيدي سبأ . وهو مثل يضرب لمن تفرق شملهم تفرقا لا اجتماع لهم معه . وهذا ما حدث لقبيلة سبأ ، فقد تفرق بعضهم إلى المدينة المنورة كالأوس والخزرج ، وذهب بعضهم إلى عمان كالأزد ، وذهب بعضهم إلى الشام كقبيلة غسان . وقوله : * ( ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ) * الأكل : هو الثمر ، ومنه قوله - تعالى - : فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ أي : ثمرها . والخمط : هو ثمر الأراك أو هو النبت المر الذي لا يمكن أكله . و ( الأثل ) هو نوع من الشجر يشبه شجر الطرفاء . أو هو نوع من الشجر كثير الشوك و ( السدر ) هو ما يعرف بالنبق . أو هو نوع من الثمار التي يقل الانتفاع بها . والمعنى : فأعرض أهل سبأ عن شكرنا وطاعتنا . . . فكانت نتيجة ذلك ، أن أرسلنا عليهم السيل الجارف ، الذي اجتاح أراضيهم ، فأفسد مزارعهم ، وأجلاهم عن ديارهم ، ومزقهم شر ممزق . . وبدلناهم بالجنان اليانعة التي كانوا يعيشون فيها ، بساتين أخرى قد ذهبت ثمارها الطيبة اللذيذة ، وحلت محلها ثمار مرة لا تؤكل ، وتناثرت في أماكنهم الأشجار التي لا تسمن ولا تغنى من جوع ، بدلا من تلك الأشجار التي كانت تحمل لهم ما لذ وطاب ، وعظم نفعه . فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن الجحود والبطر ، يؤديان إلى الخراب والدمار ، وإلى زوال النعم وتحويلها إلى نقم . ولذا جاء التعقيب بعد هذه الآية بقوله - تعالى - : * ( ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ ) * . أي : ذلك الذي فعلناه بهم من تبديل جنتيهم ، بجنتين ذواتي أكل خمط . . هو الجزاء العادل لهم بسبب جحودهم وترفهم وفسوقهم عن أمرنا . وإننا من شأننا ومن سنتنا أننا لا نعاقب ولا نجازي هذا الجزاء الرادع الشديد ، إلا لمن جحد نعمنا ، وكفر بآياتنا ، وآثر الغي على الرشد ، والعصيان على الطاعة . فاسم الإشارة يعود إلى التبديل الذي تحدثت عنه الآية السابقة . وهو المفعول الثاني لجزيناهم مقدم عليه . أي : جزيناهم ذلك التبديل لا غيره . والمراد بالجزاء هنا : العقاب . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( وهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ ) * بمعنى : وهل يعاقب . وهو الوجه الصحيح . وليس لقائل أن يقول : لم قيل : وهل يجازى إلا الكفور ، على اختصاص الكفور بالجزاء ، والجزاء عام للمؤمن والكافر ، لأنه لم يرد الجزاء العام وإنما أريد